أحمد بن محمد مسكويه الرازي

176

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

فهذه الحال هي آخر رتب الفضائل التي يتقبل فيها الانسان أفعال المبدأ الأول ، خالق الكل عزّ وجل ، أعني ان يكون في ما يفعله لا يطلب به حظا ولا مجازاة ولا عوضا ولا زيادة ، لكن يكون فعله بعينه هو غرضه ، أي ليس يفعل من أجل شيء آخر سوى ذات الفعل . ومعنى ذاته هو أن لا يفعل ما يفعله من أجل شيء غير فعله نفسه ، وذاته نفسها هي الفعل الإلهي نفسه ، وهكذا يفعل الباري تعالى لذاته لا من أجل شيء آخر خارج عنه . وذلك ان فعل الانسان في هذه الحال يكون كما قلنا خيرا محضا وحكمة محضة ، فيبدأ بالفعل لنفس اظهار الفعل فقط لا لغاية أخرى يتوخّاها بالفعل . وهكذا فعل اللّه عز وجل الخاص به ليس هو على القصد الأول من أجل شيء خارج عن ذاته ، أعني ليس ذلك من أجل سياسة الأشياء التي نحن بعضها ، لأنه لو كان كذلك لكانت أفعاله حينئذ إنما كانت وتكون وتتم بمشارفة الأمور التي من خارج ، ولتدبيرها وتدبير أحوالها واهتمامه بها . وعلى هذا تكون الأشياء التي من خارج أسبابا وعللا لأفعاله ، وهذا شنيع قبيح تعالى اللّه عنه علوا كبيرا . لكن عنايته عز وجل بالأشياء التي من خارج وفعله الذي يدبرها به ويرفدها ، انما هو على القصد الثاني ، وليس ما يفعله من أجل الأشياء أنفسها لكن من أجل ذاته أيضا ، وذلك لأجل ان ذاته تفضل لذاتها لا من أجل المفضل عليه ، ولا من أجل شيء آخر . وهكذا سبيل الانسان إذا بلغ الغاية القصوى في الأمان من الاقتداء بالباري عزّ وجل ، تكون أفعاله التي يفعلها على القصد الأول من أجل ذاته نفسها التي هي الفعل الإلهي ، ومن أجل الفعل نفسه ، وان فعل فعلا يرفد به غيره وينفعه به فليس